محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
21
الاعمال الصوفية
هو أكبر من الوجود » . أي أننا لا نستطيع أن نقول عن الله إنه موجود ، وإنما يمكن أن نقول فوق الوجود » « 17 » . نود الإشارة إلى أن هذا التمييز بين طريقتي إثبات الصفات ونفيها أقدم بكثير من الإسماعيلية ومن أريجين ومن النفّريّ معا . فهو يعود إلى أفلوطين في القرن الثالث الميلادي . يقول آرومستر ونغ ، وهو أحد دارسي أفلوطين ومترجم تاسوعاته من اليونانية إلى الإنجليزية : « إذا افترضنا وحدة مطلقة بالمعنى الصارم ، فسيستتبع ذلك جميع أنواع النتائج المستحيلة ، وذلك هو وصف للوحدة المتعالية ، أو المبدأ الأول للأشياء جميعا ، التي لا يمكن وصفها إلا عن طريق السلوب أو نفي الصفات . ونتيجة لهذه الطريقة في التفكير نجد أفلوطين يستخدم أحيانا بخصوص الواحد لغة ما سميته في مكان آخر ب « اللاهوت السلبي للنفي البسيط » ، الذي لا يقبل فيه بوجود أي تحديد ، أو إسناد أية صفة للواحد ، خشية التشكيك في وحدته ، التي هي مبدأ لكل وحدة ولوجود كل ما عداه . لأن أفلوطين تبنى مذهبا استمده من الرواقية الوسطى ، بأن الشيء لا يوجد إلا لأنه وحدة ، وبقدر ما يكون وحدة ، أو كلا مفردا متماسكا ، ولا بدّ أن يكون مبدأ الوحدات المكتملة جميعا ، الوحدات في الكثرة ، أو كلية انضمام الأجزاء ، عند أي أفلاطوني ، وحدة مطلقة . لكن هذه الطريقة السلبية في النظر إلى الواحد ليست جماع فكره ، أو ربما حتى ليست أهم جزء في فكر أفلوطين عنه . فلديه طريقة أخرى أكثر إيجابية في التناول . ويجب أن نتذكر أن المبدأ الأول عنده ليس الواحد وحسب ، بل هو الخير أيضا . وكثيرا ما يصوّر « الخير - الواحد » بوصفه ما لا يصح عليه تحديد أو إثبات ، لأنه أجل وأفضل من الواقع الذي هو مصدره ، ولأن كماله يتجاوز موارد فكرنا ولغتنا . فهو مفرد فرادة مطلقة ، وبسيط بساطة مطلقة ، لأن كماله بلا حدود . وهو ما يتجاوز ويعلو كليا على تراتب الوقائع المحدودة التي نستطيع أن نعرفها ونصفها . . . وحين يتحدث أفلوطين عن الواحد بهذه الطريقة الإيجابية ، فإنه يقترب مما نسميه بالله أكثر من أي شيء آخر في الفلسفة الإغريقية . بتبني « اللاهوت السلبي للتعالي الإيجابي » عند أفلوطين ، نتحدث عن الله بنفي الصفات عنه ، لكي نبيّن أنه أجلّ وأعظم من أن تحتويه الكلمات القاصرة والأفكار التي نطبقها عليه ، وأنه مختلف نوعا عن الوقائع التي نعرفها » « 18 » .
--> ( 17 ) عبد الرحمن بدوي : مذاهب الإسلاميين ، ص 968 . ( 18 ) آرمستر ونغ : مدخل إلى الفلسفة القديمة ، نقلا عن الترجمة العربية للكتاب بقلم كاتب السطور .